محمد حسين علي الصغير

212

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

وبعد استجلاء هذه الظاهرة تكر الآيات بالعودة إلى عيسى في بيناته ، ومدى إختلاف قومه فيما أورد من حقائق : وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) . ولقد جاء عيسى بالبينات من البراهين الصادقة والدلائل الاعجازية ، والخوارق الكونية ، سواء أكان ذلك في الأفعال من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى باذن اللّه ، أم كان في الأقوال من التوجيه والنصح الكريم ، وقد ثنى هذه البينات بالحكمة ، وهي إن كانت النبوة فقد هداهم إلى التوحيد ، وهو المهمة الأولى للرسالة ، وإن كانت الشرائع فقد أرشدهم إلى سنن الطريق ، وإن كانت العلم بهذا وذلك ، فلقد أثمرت التوحيد الخالص ردا على من عبده من دون اللّه ، وأثمرت الشريعة التي برعمت الاطمئنان ، وبشرت بنبوة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم وعدالة السماء . ولقد أزال عيسى عليه السّلام من الاختلاف جانبا فيما انقسموا فيه من شريعة موسى عليه السّلام بعد أن تفرقوا شيعا وأحزابا ، وأبان حقيقة التوحيد ونفي الأشباه والنظائر والشركاء والأبناء عن الباري عز وجل ، ألزم بتقوى اللّه نفسه وحواريه وأنصاره وقومه باجتناب معاصيه ، واكتساب مراضيه ، ونطق بالحقيقة الكبرى التي تخشع لها كل الحقائق : إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) . قضية مسلّم بها ، فهو عبد من عباده ، وقد وثق هذه الصلة بنفسه قبلهم فقال : هو ربي ، ثم هو ربكم ، توبيخا واستهجانا لمن ادعى في عيسى الربوبية ، إذ لا إله لهم إلا اللّه . وإطاعة عيسى فيما دعا إليه بالبينات والحكمة ، ودرء الاختلاف والنزاع ، والدعوة إلى التقوى ، واجب تقتضيه المؤشرات الخيرة ، إذ فيه الألفة والمحبة واليقين ، وكل ذلك يقود في حقيقته إلى التوحيد الخالص من الشوائب ، وهو يوصل إلى الصراط المستقيم بلا انحراف ، وإلى الجادة دون التواء . لقد هبط المسيح عليه السّلام رحمة لقومه ، إذ ألف بين طوائفهم المتناحرة ، وأقام من أودهم المتداعي ، فاهتدى الضال ، وانطمس الضلال ، وما إن رفعه اللّه تعالى إليه ، حتى اختلف اليهود والنصارى